السيد صادق الموسوي

28

تمام نهج البلاغة

أن يفرّق بين الكلام الركيك والفصيح ، وبين الفصيح والأفصح ، وبين الأصيل والمولّد وإذا وقف على كرّاس واحد يتضمّن كلاما لجماعة من الخطباء ، أو لاثنين منهم فقط ، فلا بدّ أن يفرّق بين الكلامين ، ويميّز بين الطريقين . ألا ترى أنّا مع معرفتنا بالشعر ونقده ، لو تصفّحنا ديوان أبي تمّام ، فوجدناه قد كتب في أثنائه قصائد أو قصيدة واحدة لغيره ، لعرفنا بالذوق مباينتها لشعر أبي تمّام ونفسه ، وطريقته ومذهبه في القريض . ألا ترى أن العلماء بهذا الشأن حذفوا من شعره قصائد كثيرة منحولة إليه ، لمباينتها لمذهبه في الشعر وكذلك حذفوا من شعر أبي نوّاس كثيرا ، لمّا ظهر لهم أنه ليس من ألفاظه ولا من شعره ، وكذلك غيرهما من الشعراء ، ولم يعتمدوا في ذلك إلّا على الذوق خاصة . وأنت إذا تأملت « نهج البلاغة » وجدته ماء واحدا ، ونفسا واحدا ، وأسلوبا واحدا ، كالجسم البسيط الذي ليس بعض من أبعاضه مخالفا لباقي الأبعاض في الماهيّة ، وكالقرآن العزيز ، أولّه كوسطه ، وأوسطه كآخره ، وكلّ سورة منه وكل آية مماثلة في المأخذ والمذهب والفن والطريق والنظم لباقي الآيات والسور . واعلم أن قائل هذا القول يطرق على نفسه ما لا قبل له به ، لأنّا متى فتحنا هذا الباب ، وسلّطنا الشكوك على أنفسنا في هذا النحو ، لم نثق بصحة كلام منقول عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلم أبدا ، وساغ لطاعن أن يطعن ويقول : هذا الخبر منحول ، وهذا الكلام مصنوع ، وكذا ما نقل عن أبي بكر وعمر من الكلام والخطب والمواعظ والآداب وغير ذلك ، وكلّ أمر جعله هذا الطاعن مستندا له فيما يرويه عن النبي وآله والأئمة الراشدين ، والصحابة والتابعين ، والشعراء والمترسلين والخطباء ، فلناصري أمير المؤمنين عليه السلام أن يستندوا إلى مثله فيما يروونه عنه من « نهج البلاغة » وغيره ، وهذا واضح . الشيخ محمود شكري الآلوسي : هذا كتاب « نهج البلاغة » قد استودع من خطب الإمام علي بن أبي طالب سلام اللّه عليه ما هو قبس من نور الكلام الإلهيّ ، وشمس تضيء بفصاحة المنطق النبويّ . الأستاذ محمد حسن نائل المرصفي مدرس البيان بكلية الفرير الكبرى بمصر : « نهج البلاغة » ذلك الكتاب الذي أقامه اللّه حجة واضحة على أن عليا كان أحسن مثال حيّ لنور القرآن وحكمته ، وعلمه وهدايته ، وإعجازه وفصاحته . اجتمع لعليّ في هذا الكتاب ما لم يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربّانيّين ، من آيات الحكمة السابغة ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كل موعظة باهرة ، وحجة بالغة تشهد له بالفضل وحسن الأثر . خاض عليّ في هذا الكتاب لجّة العلم ، والسياسة والدين ، فكان في كل هذه المسائل نابغة مبرّزا . ولئن سألت عن مكان كتابه من الأدب بعد أن عرفت مكانه من العلم ، فليس في وسع الكاتب المترسّل ، والخطيب المصقع ، والشاعر المفلق ، أن يبلغ الغاية من وصفه ، أو النهاية من تقريظه . وحسبنا أن نقول : أنه الملتقى الفذّ الذي التقى فيه جمال الحضارة ، وجزالة البداوة ، والمنزل المفرد الذي اختارته الحقيقة لنفسها منزلا تطمئن فيه ، وتأوي إليه بعد أن زلّت بها المنازل في كل لغة . الشيخ ناصيف اليازجي : ما أتقنت الكتابة إلا بدرس القرآن العظيم و « نهج البلاغة » ، فهما كنز العربية الذي لا ينفد ، وذخيرتهما للمتأدب .